المنجي بوسنينة

415

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

يعيب ولا ينقص من علم الرجل ، فالتخصص العلمي سمة لازمت العدد الأكبر من علماء الأندلس ومشاهيرهم . والتجيبي فقيه ، وبهذا العلم عرف واشتهر ، وليس بالضرورة أن يكون الفقيه عالما بالحديث كعلمه بعلم الفقه ، أو أن يكون المحدث عالما بالفقه علمه بالحديث . وفي كتب التراجم من الأمثلة ما يعزز هذا القول وعلى سبيل المثال : كان عبد الملك بن حبيب السلمي . ( ت 238 ه / 852 م ) من كبار فقهاء الأندلس وعلمائها ، ولجلالة قدره ومكانته وما خلفه من مؤلفات لقب بعالم الأندلس ، ومع ذلك لم يكن له علم بالحديث ، وما كان يعرف صحيحه من سقيمه . وكان محمد بن وضاح القرطبي ( ت 287 ه / 900 م ) عالما بالحديث ، بصيرا بطرقه ، متكلما على علله ؛ وبه وبالشيخ بقي بن مخلد ( ت 276 ه / 889 م ) أصبحت الأندلس دار حديث وإسناد ، ولكن ما كان ذا علم بالفقه أو بالعربيّة . وابن لبابة شيخ التجيبي هو أيضا كان إماما في الفقه ، مقدما على أهل زمانه في حفظ الرأي والبصر بالفتيا ، درس كتب المذهب مدّة ستين سنة ، ولكنه لم يكن ذا علم بالحديث ، ولا ذا معرفة بشيء منه [ ابن الفرضي ، 1 / 270 - 271 ه ؛ 2 / 17 ، 35 ] ، وإذا لم يكن للتجيبي علم بالحديث من حيث كونه علما فإنّ ذلك لم يمنعه من رواية الأحاديث النبويّة في مجالسه وإملائها على الطلبة ، خاصّة أنّ روايته للحديث عن شيخه أحمد بن خالد كانت من الروايات المرغوبة لدى الطلبة . قدم للشورى سنة 326 ه / 937 م في ولاية القاضي ابن أبي عيسى محمد بن عبد الله القرطبي ( ت 339 ه / 950 م ) بتوصية من ولي العهد الأمير الحكم فكان من جملة المشاورين الستة عشر في قرطبة [ عياض ، 6 / 127 ] ؛ وطلبه القاضي منذر بن سعيد البلوطي ( ت 355 ه / 965 م ) للإشراف على أموال اليتامى فأبى كما ورد في رواية ذكرها النباهي [ ص 73 ] . نال التجيبي حظوة ومكانة لدى الخليفة عبد الرحمن الناصر ، وولده الحكم ؛ فكثيرا ما كان الناصر يستدعيه إلى بلاطه للمشاورة أو لحضور المناسبات أسوة بكبار رجال دولته والرواد من العلماء ، وظاهر النصوص يوحي بأنّ التجيبي كان يتثاقل عن حضور مثل هذه المناسبات ، ويعتذر للخليفة بما يليق من الأعذار . وكان من تعظيم الحكم له أنّ التجيبي إذا دخل عليه مد رجليه أمامه ويعتذر بشيخوخته فيقول له الحكم : « لا مؤونة عليك منا اقعد كيف شئت » . وقال القاضي عياض : « جالس يوما الحكم فذاكره أبوابا من العلم وأخبار السلف ، إلى أن وقع الحكم بذكر رجل من القرطبيين وثلبه ، فسكت عنه أبو إبراهيم ونكس رأسه ، ولم يأخذ معه في شيء مما ذكره ، فوجم الحكم لذلك ، ثمّ رجع إلى ما كانوا فيه من ذكر الصالحين فانبعث معه أبو إبراهيم ، ثمّ عاد إلى ذكر الرجل ، فأقصر أبو إبراهيم وعاد إلى حاله الأوّل من الإطراق والوجوم ، فأقصر الحكم عن ذكره وراقه أمر أبي إبراهيم ، فأنشد متمثّلا بالبيتين المشهورين في مدح مالك بن أنس : يأبي الجواب فما يراجع هيبة * والسائلون نواكس الأذقان هدي العلوم وعزّ سلطان التقى * فهو المطاع وليس ذا سلطان »